القاضي التنوخي

212

نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة

والزم دارك ، واربح العناء ، فإذا سنح عندي شغل يصلح لك ، استدعيتك . قال : فاستشاط الشيخ ، وقال : جعلني من الشحّاذين « 1 » والمستميحين ، ينفذ إليّ برفد ، واللَّه لا قبلته . قال : فاستجهلته ، وداخلني غيظ [ 170 ط ] من فعله ، فقلت : يا هذا ، واللَّه ، ما هذه الدراهم من مال الوزير ، ولا هي إلَّا من مالي ، ورسالته أقبح مما تذهب إليه ، وإنّي كرهت تلقّيك بها ، وأنت من شيوخ هذه الصناعة ، فتحمّلت لك هذا الغرم من مالي ، من غير علم صاحبي ، صيانة لك وله . فقال : أمّا أنت ، فأحسن اللَّه جزاءك ، ولا حاجة بي إلى مالك ، ولو مصصت الثماد « 2 » ، ولكن أنشدك اللَّه ، إلَّا ما أبلغتني رسالته بعينها ، وحزت بذلك شكري . قال : فأدّيتها إليه على حقّها وصدقها . قال : فقال : أحب أن تتحمّل الجواب . فقلت : قل . قال : تقول له : واللَّه ، ما آتيك لك نفسك ، وإنّما أنت رجل قد صرت بابا لأرزاقنا ، إذ كنا لا نحسن صناعة غير الكتابة ، ولا تصرّف فيها إلَّا من عندك ، ومن أراد دخول الدار ، يجب أن يأتيها من بابها ، وعلى الإنسان أن يتعرّض للرزق ، ويأتي بابه ، فإن قسم اللَّه له منه شيئا ، أخذه ، وإلَّا كان قد أدّى [ 143 ب ] ما عليه . وليس يمنعني استثقالك لي ، من قصدك ، فإن قسم اللَّه لي شيئا من

--> « 1 » في ب : الشحاذة ، والتصحيح من ط والشحاذ : المتسول ، وجمعه شحاذون وشحاحذة . « 2 » الثماد ، بكسر الثاء : مفردها ثمد ، الماء القليل يتجمع في الشتاء وينضب في الصيف ، أو الحفرة يجتمع فيها ماء المطر .